المستشار الاعلامى

حسن عمار

رئيس التحرير

سناء عبد العاطي

الدكتور خالد قنديل يكتب :المشهد الفنزويلي وفوضى الهيمنة الأمريكية

مقالات 2026-01-05 21:55 التعليقات

الدكتور خالد قنديل يكتب :المشهد الفنزويلي وفوضى الهيمنة الأمريكية

الدكتور خالد قنديل يكتب :المشهد الفنزويلي وفوضى الهيمنة الأمريكية
الدكتور خالد قنديل
كتب

كتب أحدهم متسائلًا في الفضاء الإلكتروني الشاشع، عن الجدوى من التحاق الدارسين بالكليات التي تدرس القانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية، وفهم أهداف المنظمات والهيئات العالمية، في ظل العرض العبثي الذي يشهد فصوله اليومية مسرح العالم السياسي، والذي كان آخره وقطعًا ليس الأخير، اختطاف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.

وقد فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بإعلانه أن القوات الخاصة الأمريكية نفذت عملية في عمق أراضي فنزويلا، أسرت فيها الرئيس الفنزويلي ونقلته وزوجته جوًّا خارج البلاد؛ ولينشر بعدها صورًا للرئيس المختطف معصوب العينين، ويخرج على الجماهير في مؤتمر صحفي يبرر فعلته التي جاءت بعد سنوات من الضغط والحصار المالي والعقوبات والعزل الدبلوماسي، وتشجيع الاحتقان والانشقاق الداخلي، فيما يمكن وصفه بالترويض والإنهاك، بتكثيف الوجود العسكري في البحر الكاريبي، قبالة سواحل فنزويلا، ونشر ألوية مشاة وسفن حربية، وحاملات طائرات، في تهديد مباشر وصريح للنظام الفنزويلي، وتوجيه ضربات ضد سفن بتهمة أو حجة أن هذه السفن تنقل مخدراتٍ.

وعلى الرغم من الدوافع المعلنة من قبل ترامب لهذه العملية العبثية التي تجاوزت الحدود والأعراف والمواثيق، بأنها في سياق وقف تهريب المخدرات واتخاذ مواقف ضد ما تسميه واشنطن بالأنشطة غير القانونية التي تهدد المجتمع الأمريكي، والعمل على حماية الأمن القومي بالضغط على واحدة من الحكومات التي تعارض السياسات الأمريكية، رغم كل هذه المبررات، فإن الرأي العام العالمي ليس بالسذاجة التي تمرر مثل هذا الحادث على حساب هذه الأطروحات، بل إن الحقبة الترامبية، كشفت عن الوجه الاستعماري الأوضح لأمريكا، التي دأبت وسط صراعات متشعبة على تسريع وتيرة العمل لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية لصالحها، وخاصة في المناطق التي تعدُّهَا إستراتيجية بالنسبة لها، ولم تكن تحت سيطرتها المباشرة، ومحاولة تعويض الفشل الاقتصادي الذريع وارتفاع نسب التضخم، بمحاولة الاستيلاء على مقدرات الشعوب، والتحكم في أكبر احتياطي نفطي بالعالم في فنزويلا، وفي الوقت ذاته التصدي للقوى التي تؤرق مضجعها، بتقليل نفوذ الصين وروسيا في أمريكا اللاتينية من خلال الضغط على حليفهما القوي فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم.

فعلى مدار عقدين كاملين، تحولت فنزويلا إلى نقطة حيوية رئيسية لمنافسي أمريكا، وخصوصًا الصين وروسيا، وقد استثمرت بكين عشرات المليارات من الدولارات في البنية التحتية الفنزويلية وقروض مدعومة بالنفط، في حين قدمت موسكو التعاون العسكري والدعم الاستخباراتي والغطاء الدبلوماسي؛ ولذلك لا تُعد فنزويلا مجرد دولة مضطربة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، بل موقع إستراتيجي يكاد يكون الأهم في ظل الصراع الأوسع على النفوذ العالمي، ورغبة واشنطن طويلة الأمد في إعادة بسط نفوذها على تدفقات الطاقة العالمية، لا سيما في وقت صار فيه أمن الطاقة ركيزة أساسية في السياسة الدولية.

والتحكم هنا ليس بالضرورة من خلال الملكية المباشرة لحقول النفط، لكن بعوامل أخرى أهم مثل تحديد الجهة الحاكمة، والجهة المستثمرة، والأسواق التي يخدمها النفط الفنزويلي.

هذا التدخل الأمريكي الصفيق يبعث برسالة مفادها أن أمريكا، التي غيرت منذ أشهر اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، على استعداد لخوض الحروب وفق قدراتها لتحقيق مصالحها، حتى وإن تعارضت مع أي قوانين دولية، وإن هناك استعدادًا دائمًا لاستخدام القوة لمنع القوى المنافسة من ترسيخ وجودها الإستراتيجي، وخصوصًا في مجال نفوذها.

الأمر الذي يقلب طاولة التاريخ في عملية ارتدادية على جميع الكيانات الدولية والأممية، والتلويح بأن البلطجة ستكون اللغة الأمريكية الأبرز والأوضح، وهو ما بدا جليًّا في موقف ترامب التصادمي تجاه نيكاراجوا وكوبا، وحكوماتٍ أخرى تنتقد واشنطن، صارت أراضيها بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ليست جمهورياتٍ ودولًا ذات سيادة بقدر ما تمثل رقعة شطرنج جيوسياسية.

لكن المشهد يخلص إلى النظر نحو فنزويلا الآن باعتبارها ساحة اختبار، لتجربة استعداد واشنطن لتجاوز المؤسسات متعددة الأطراف والقانون الدولي، والمضي قدمًا دون مواجهة عواقب حقيقية؛ سواء من الحلفاء أو المؤسسات العالمية، الأمر الذي يعكس تحولًا أوسع نحو الأحادية.

ما يستوجب رد فعل أكبر وأوضح من مجرد الإدانات وليكن في صورة عقاب دولي جماعي وقانوني، يُجنب العالم مزيدًا من العبث باتخاذ إجراءات مماثلة في أماكن أخرى من العالم، وربما تحذو قوى كبرى حذو واشنطن في ذلك

نقلا عن الأهرام

أخبار شبيهة

أضف تعليق