انقضى النصف الأول من دراما الموسم الرمضاني لعام ٢٠٢٦، والذي يضع معه رؤى جديدة تحمل تشكيلًا جديدّا للخريطة الدرامية للأعوام المقبلة، تكشف عن منظومة عمل ذكية وواعية تعمل بها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية والقائمون على صناعة المحتوى الدرامي بها، فالأمر لم يعد مقتصرًا على مسألة تقديم موسم يحمل كثافة في عدد المسلسلات المقدمة وأسماء نجوم الصف الأول باعتبارهم الأكثر بيعًا، ولكن الخطة التي تعمل بها الشركة المتحدة وظهرت بوادرها تتضح بقوة في العام الماضي تؤكد على اقتراب الدراما بشكل أكبر من واقع الحياة اليومية والنفس البشرية بتأزمها النفسي، وقد ظهر هذا بوضوح في أكثر من عمل هذا العام
دراما الشركة المتحدة وصناعة الوعي
والحقيقة أن الاستراتيجية التي عملت بها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية هذا الموسم، تنصب نحو ثلاث محاور واضحة في مقدمتها "صناعة الوعي" وإن كان هذا الأمر قد تغير في مفهومه أيضًا هذا العام فلم يعد مقصورًا فقط على مسألة الوعي الوطني الذي يتمثل في الدور الذي تلعبه الدولة المصرية فالحفاظ على استقرار وحماية أمنها وحدودها ضد الخونة من الجماعات الارهابية ويتمثل ذلك في المسلسلات الوطنية التي تقدم على الشاشة ومنها هذا العام مسلسل "رأس الأفعى"، ولكن هناك وعي آخر يتسم بأهمية كبيرة تكشف عن الدور المجتمعي الذي تلعبه الدراما الرمضانية هذا العام وينقسم ذلك إلى أمرين الأول يتمثل في الاهتمام بالخط النفسي للشخصيات داخل أغلب الأعمال التي تقدمها الشركة هذا العام فليس شرطًا أن يكون البطل مريضا نفسيًا ولكن هناك بعض الأعمال أظهرت هذا العام فكرة الاهتمام بمسألة الصحة النفسية للإنسان العادي مثل مسلسل "اتنين غيرنا" أو أظهرت الجانب الآخر لمريض الاكتئاب مثل مسلسل "كان ياما كان" على سبيل المثال وغيرها من الاعمال التي القت بظلالها على هذا الجانب.
أما الأمر الآخر فيتمثل في جعل دراما الموسم الرمضاني لعام 2026 شريكا في المسئولية الاجتماعية، فقد شاهدنا أعمالًا تخاطب وعي المشاهد، فمثلا في مشاهد العنف ضد المرأة كما في مسلسل "اتنين غيرنا" وضع رقم خط ساخن للمجلس القومي للمرأة للإبلاغ عن أي حالات مشابهة أو الإبلاغ عن أي عقار طبي مشكوكًا فيه مثلما وضعت أرقام هيئة الدواء على الشاشة مع نهاية الحلقات الأخيرة لمسلسل "عين سحرية" أو رسائل التوعية بمخاطر الابتزاز الالكتروني كما ظهر في مسلسل " حد أقصى"، كل هذه الأمور تؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه الدراما في تغيير وجهة نظر المشاهد تجاه ما يشاهده من أعمال وتمنحه مساحة أكثر قربًا وتفاعلا مع قضايا حياته اليومية بالإضافة إلى توعيته تجاه أي محاولات ايذاء يتعرض لها وكيفية تعامله معها.
دراما الموسم الرمضاني لعام ٢٠٢٦ وتغيير قواعد المشاهدة
ليس سهلا أن تتغير قواعد المشاهدة بين عشية وضحاها، ولكن الموسم الدرامي للعام الحالي سيفرض خريطة جديدة للمشاهدة في الأعوام المقبلة، ولن يكون الأمر مقصورًا على أسماء نجوم معتادة، تتصدر التريندات بشكل دائم في رمضان من كل عام، فالبطل بعد هذا العام سيكون للموضوع والنص الجيد الذي يفرض نفسه على ساحة الاهتمام والمشاهدة، وربما تظل بعض الأسماء متواجدة في التريند لفترة قصيرة لن تطول لحين اختفاء ظاهرة النجم الأعلى مشاهدة.
نحن في العام الحالي أمام تغييرًا شاملًا في قواعد المشاهدة، فالجمهور بات أكثر ذكاء في اختيارات المشاهدة، اليوم نحن نقف أمام صناعة بطل شعبي جديد من فئة الطبقة المتوسطة "عصام عمر" والذي حظى مسلسله "عين سحرية" بالأعلى مشاهدة متفوقًا على كثير من الأسماء والأعمال التي كان من المنتظر أن تحظى بذلك، ويرجع ذلك للسيناريو الجيد الذي كتبه هشام هلال وفرض نفسه على قوائم المشاهدة بالتوازي مع الإخراج المميز للمخرج السوري السدير مسعود الذي قدم دراما الإثارة في صورة سينمائية محتفظًا بقواعد الدراما المصرية بخلاف الأداء الاحترافي لأبطال العمل عصام عمر، باسم سمرة، محمد علاء، سما إبراهيم.
محمد فراج النجم المنتظر في "أب ولكن"
بعد ساعات سينطلق مارثون جديد لدراما النصف الثاني في رمضان والتي ستحمل كثير من الاحتكاك مع قضايا الشارع المصري وربما تحرك الراكض تجاه بعض القوانين التي تحتاج إلى تفعيل بالتنفيذ مثل قانون تداول الأعضاء كما في مسلسل "عرض وطلب" أو تطلب تغييرا في بعضها كما في قانون الرؤية أحد أهم القضايا الإجتماعية التي تحمل تأزمًا كبيرًا، تستعرضها دراما الشركة المتحدة هذا العام في مسلسل "أب ولكن" للنجم محمد جفراج، هذا العمل الذي سيكون مسلسل الشارع المصري وسوف يحتل قائمة الأعلى مشاهدة بل أنه سيغير قواعد المشاهدة ويجعل محمد فراج بمسلسله في مقدمة النجوم الأكثر مشاهدة خصوصًا مع ارتفاع أسهمه في الشهور الماضية بعدد من الأعمال الدرامية الهامة مثل "كتالوج" و"ورد وشيكولاته"، فالمسلسل يقترب من قضية يعاني منها كثير من الآباء بعد الانفصال ولا يجدون لها حل وسيكون محمد فراج صوتًا لهم هذا بالإضافة إلى لوجود مخرجة مميزة وهي ياسمين أحمد كامل التي تدرك جيدًا قواعد صناعة عمل درامي يستحوذ على نسب المشاهدة كما سبق في تجربتها "أعلى نسبة مشاهدة" والذي حظى باهتمام جماهيري كبير.
دراما المتحدة في رمضان ٢٠٢٦ ومثلث الحب
وضعت الشركة المتحدة في خطتها هذا العام خيطًا هامًا في حساباتها نحو إنتاج دراما تتعلق بقضايا الأزمات العاطفية بين الرجل والمرأة، كان من المفترض أن يكون هناك مسلسلًا بعنوان " الحب لعبة" ل نور النبوي والذي يناقش مرحلة بدايات الحب لكنه خرج من المارثون الرمضاني، ليكتمل مثلث الدراما العاطفية هذا العام في ثلاثة مسلسلات ترصد العلاقات بين الرجل والمرأة من واقع أزمات مختلفة في مقدمة ذلك مسلسل "اتنين غيرنا" وهو قصة رومانسية بالدرجة الأولى، يمثل اختبارًا حقيقيًا للحب والتمسك بالشريك، ويأتي مسلسل "كان ياما كان" ليكشف عن تأزم آخر في علاقة الرجل والمرأة ممثلًا في أزمة منتصف العمر وتغير المشاعر وما يتبعها من قرار الانفصال الذي يحمل أضرارا نفسية للطرفين وللأبناء على وجه التحديد، أما المسلسل الثالث فهو "أب ولكن" والذي يرصد واقع مرير لأب يعيش تأزماً في رؤية ابنته بعد انفصاله عن زوجته.
كل هذه القضايا التي تلقي بظلالها على العلاقة بين الرجل والمرأة تكشف مدى اقتراب الدراما التي أنتجتها الشركة المتحدة هذا العام من واقع الحياة الاجتماعية،خصوصًا وأن العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة تحتاج إلى مراجعة المواقف لكلاهما في هذا التوقيت.
وبين الوعي والمسئولية الاجتماعية وتغيير قواعد المشاهدة، تؤكد الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على استراتيجيتها الجادة في صناعة المحتوى الدرامي بأعمال تحمل معالجات شديدة الذكاء لقضايا الواقع الذي تقترب فيه من قضايا المواطن المصري وذائقته الفنية.
