أ. د. كرم محمد عبد اللطيف
رئيس قسم هندسة القوى والآلات الكهربية سابقًا – كلية الهندسة – جامعة حلوان
تشهد أسواق الطاقة العالمية مرحلة دقيقة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تمثل محورًا رئيسيًا لإمدادات النفط والغاز. ومع كل تصعيد سياسي أو عسكري، تتأثر الأسواق بشكل مباشر، فترتفع أسعار الطاقة، وتزداد الأعباء على مختلف الاقتصادات، خاصة في ما يتعلق بتكاليف إنتاج الكهرباء والأنشطة الصناعية.
وفي هذا السياق، ازدادت حدة التوترات مؤخرًا، مع تصاعد المواجهات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو ما انعكس سريعًا على أسواق الطاقة، التي شهدت ارتفاعات ملحوظة في الأسعار، إلى جانب زيادة علاوات المخاطر الجيوسياسية. ويؤكد هذا الوضع مجددًا أن الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة من مناطق غير مستقرة، يمثل تحديًا حقيقيًا لأمن الطاقة العالمي.
ويعزز التاريخ الحديث هذه الرؤية؛ فقد أظهرت أزمات سابقة، مثل حرب الخليج والأزمة الروسية الأوكرانية، مدى تأثر أسواق الطاقة بالصراعات السياسية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها، والتوجه نحو مصادر أكثر استقرارًا واستدامة.
في ضوء ذلك، تبرز الطاقة الجديدة والمتجددة كأحد أهم الخيارات الاستراتيجية لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة التقليدية. فمصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تتميز بكونها محلية ومتجددة، ولا ترتبط بالتقلبات الجيوسياسية، فضلًا عن انخفاض تكاليف تشغيلها على المدى الطويل.
وقد اتجهت مصر مبكرًا إلى تبني هذا المسار، من خلال استراتيجية طموحة لتنويع مصادر الطاقة، في إطار رؤية مصر 2030، التي تستهدف زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء. وتعتمد هذه الاستراتيجية على الاستفادة من المقومات الطبيعية التي تتمتع بها الدولة، خاصة ارتفاع معدلات السطوع الشمسي، وتوافر سرعات رياح مناسبة لإنتاج الكهرباء.
وتستهدف الدولة رفع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 14% بنهاية عام 2025، وهو ما يتطلب إضافة قدرات كبيرة من مصادر الطاقة النظيفة، إلى جانب جذب استثمارات نوعية، خاصة في مجال الهيدروجين الأخضر.
وفي هذا الإطار، يمثل مجمع «بنبان» للطاقة الشمسية في محافظة أسوان نموذجًا ناجحًا لهذا التوجه، حيث يُعد من أكبر المشروعات عالميًا، وأسهم في دعم الشبكة القومية للكهرباء، فضلًا عن جذب استثمارات دولية. كما تعد منطقة خليج السويس من أبرز مواقع توليد الكهرباء من طاقة الرياح، لما تتمتع به من ظروف طبيعية ملائمة.
ولا يقتصر التوجه المصري على إنتاج الكهرباء فقط، بل يمتد إلى الدخول في مجالات الطاقة المستقبلية، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، حيث شهدت منطقة العين السخنة توقيع عدد من الاتفاقيات لإقامة مشروعات متخصصة في هذا المجال، بما يعزز من فرص مصر في أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة.
ومن الناحية الفنية، يتطلب التوسع في الطاقة المتجددة تطوير شبكات الكهرباء، خاصة في مجالي النقل والتوزيع، إلى جانب الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة والشبكات الذكية، لضمان استقرار الإمدادات الكهربائية. وتشير الخطط إلى التوسع في قدرات التخزين لتصل إلى نحو 10 جيجاوات بحلول عام 2030.
في الختام، فإن التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار النفط وتقلبات أسواق الطاقة تمثل، في الوقت ذاته، فرصة حقيقية للدول التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة. وبالنسبة لمصر، فإن التوسع في الطاقة المتجددة لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، ودعم مسار التنمية الاقتصادية المستدامة
