من الأمور الجميلة والملفتة للانتباه ما تشهده الأعياد المصرية من مشاركة بين المسيحيين والمسلمين في أعيادهم واحتفالاتهم؛ إذ إننا نجد أن المسلمين والمسيحيين يجتمعون ويشاركون في مناسبات وأعياد بعضهم البعض، وهو الأمر الذي ذكرته المصادر التاريخية منذ دخول العرب المسلمين مصر، وتطور مع الفترات التاريخية في تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي إلى الآن، ونلمس ذلك ونشاهده في حياتنا اليومية
المسلمون والمسيحيون شركاء الفرحة على أرض مصر ـ تعبيرية
ويحلو بي أن أبدأ بعبارة الرحالة جوزيف ويليام ماكفرسون (1866- 1946م) في حديثه عن الأعياد والموالد في مصر بقوله:«يا لها من مسحة مباركة!، لم أجد مكانًا يمجد فيه المسيحيون بطوائفهم المختلفة، المسلمون وغيرهم مساجد بعضهم البعض وكنائسهم علنًا بصداقة وطيب خاطر بل ويطلبون البركة من أضرحة بعضهم البعض مثلما رأيت هنا» (يقصد في مصر)، الأمر الذي يدل على المشاركة في مختلف الأعياد سواء كانت أعياد قومية أودينية. ومن نماذج هذه الأعياد:
عيد الشهيد
موعده في الثامن من بشنس، ويرتبط هذا العيد بما كان الأقباط يعتقدونه من أن النيل لا يزيد في موسم الفيضان إلا بعد غسل إصبع أحد القديسين في مائه، وكان هذا الإصبع يحفظ في تابوت بكنيسة شبرا، وذكر كثير من المؤرخين هذا العيد بقولهم إن هذا العيد يكون على شكل مهرجان كبير على ساحل نهرالنيل بناحية شبرا، وكان يومًا شعبيًّا يتوافد المسيحيون من شتي أنحاء البلاد وكذلك المسلمون على اختلاف طبقاتهم إلى ساحل شبرا للمشاهدة والاحتفال، ويجتمع المغنون والمغنيات وأرباب الملاهي والألعاب ويقبل الجميع على تناول الطعام والشراب.
لوحة للعذراء والسيد المسيح عليهم السلام
عيد النيروز
هو عيد رأس السنة القبطية في أول شهر توت ومعناه اليوم الجديد، واعتبر عيدًا للربيع، فكان بمثابة عطلة عامة لمدة ثلاثة أيام، وتشارك فيه المسلمون مع المسيحيين وكان جميع المصريين يقومون برش المياه في الشوارع، ويشعلون النيران ويطوفون بالأسواق حاملين تماثيل وعرائس ملونة.
وتذكر المصادر التاريخية الكثير من الشواهد الدالة على مشاركة الحُكام المسلمين أنفسهم في هذه الأعياد؛ حيث كانوا يأمرون بتوزيع أنواع الملابس على الناس، وأصناف من الفاكهة كالبطيخ والرمان والموز والتمر، وكذلك الهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن والبقر.
عيد النيروز
عيد الميلاد
يعتبر هذا العيد واحدًا من الأعياد الرسمية في البلاد يشترك فيه المسيحيون والمسلمون، وتشارك الدولة بتوزيع أصناف متعددة من الشراب والحلوى مثل الزلابيا والكعك والأسماك، وكان المصريون يصنعون نوعًا معينًا من العصيدة يزعمون أن من يأكلها لايُصاب بالبرد، وكان من مظاهره تزيين الكنائس وإضاءة الدور والحوانيت بالفوانيس والشموع الملونة والتماثيل الذي يقوم بشرائها المسلمين والمسيحيين على حد قول شيخ المؤرخين تقي الدين المقريزي (ت845هـ/1442م)، ويخرج الجميع صغارًا وكبارًا للتنزه إلى بركة الحبش (إحدى برك القاهرة الشهيرة في العصور الإسلامية) فيأكلون ويشربون ويسمعون الموسيقي ويضحكون وينعمون.
عيد الميلاد المجيد
عيد الغطاس
يتم الاحتفال به في الحادي عشر من طوبة (يناير)، وهو إحياء لذكرى تعميد السيد المسيح ـ عليه السلام ـ في نهر الأردن بواسطة يوحنا المعمدان وحلول الروح القدس عليه.
وقد شارك المسلمون إخوانهم المسيحيين في الاحتفال بهذا العيد أيضًا، بل وشارك مسؤولو الدولة المسلمين من الحكام في هذا الاحتفال؛ سواء بتوزيع الأطعمة مثل الليمون والنارنج والقصب والأسماك والحلوى على الجميع، كذلك قام رجال الشرطة بتوفير كل سبل الحماية ليمارس المسيحيون شعائرهم الدينية في ظل الدولة الإسلامية في سلام.
ومن مظاهر المشاركة في هذا العيد احتشاد المسيحيين والمسلمين على ضفتي النيل، ونصب الخيام، واكتظاظ النيل بالمراكب والزوارق المزينة بالقناديل والاعلام، وإضاءة الشواطئ بآلاف المشاعل والفوانيس، وممارسة الألعاب بين المسلمين والمسيحيين مع بعضهم البعض، ويغطس الجميع في النهر.
عيد الغطاس
خميس العهد «العدس»
يأتي في وسط أسبوع الآلام وقبل عيد القيامة، وهو في التصور المسيحي يمثل بداية العهد الجديد الذي صنعه السيد المسيح بدمه الكريم، وسُمي هذا العيد في مصر بـ «خميس العدس»؛ بسبب تناولهم العدس في هذا اليوم، ولا يزال يُطبق هذا الاسم على أحد أشهر الحارات المصرية وهي «حارة خميس العدس» المتفرعة من حارة اليهود بالخُرنفش.
وكان من مظاهر المشاركة بين الطرفين؛ تبادل المسيحيين والمسلمين الهدايا والأطعمة في هذا اليوم مثل السمك والعدس المصفى.
وكان أهالي الإسكندرية يذهبون إلى منارة الإسكندرية الشهيرة ومعهم المأكولات التي من بينها العدس، ويمكثوا هناك إلى منتصف الليل.
وشارك كذلك المسلمون إخوانهم المسيحيين في موالدهم، حيث كانت تقام الموالد لتكريم القديسين والشهداء، فكلما اشتهر قديس أو شهيد في منطقة ما يتوافد على كنيسته الجموع من كل مكان للاحتفال بذكراه، وينصبون الخيام حول الكنيسة، ويقضون أيام العيد هناك التي قد تصل أحيانًا إلى سبعة أيام.
خميس العهد
موالد القديسين
وإلى جانب الناحية الدينية فإن موالد القديسين لم تكن تخلو من الجوانب الترفيهية من الأغاني والمدائح والألعاب، وأيضا الأنشطة التجارية والاقتصادية من بيع وشراء.
شارك المسلمون إخوانهم المسيحيين في هذه الأعياد فكانوا يذهبون إلى أضرحة القديسين في أعيادهم للتبرك والترفيه، وكذلك سعيًا للشفاء من الأمراض، وكان يتم رفع الصلوات وإقامة القداسات وإضاءة الشموع أمام أيقونة القديس والزفة بها، وتقديم النذور ونحر الذبائح لإطعام الفقراء، وبيع الهدايا من ألعاب الأطفال والصور والمأكولات والحلويات التي يقبل عليها كل من المسلمين والمسيحيين.
مولد العذراء بدرُنكة بمحافظة أسيوط
ومن أمثلة الموالد مولد «العذراء» بـ «درُنكة» بمحافظة أسيوط ويقام ابتداء من 7 أغسطس إلى 21 من الشهر نفسه، بدير العذراء في درُنكة، حيث تبارك المكان بقدوم العائلة المقدسة في رحلتهم لمصر، ويأتي إليه الناس من كل مكان للاحتفال والتشفع وطلب الأمنيات من العذراء.
وهناك مولد «الأنبا شنودة»، ويتم في الدير الأبيض بمنطقة أخميم بمحافظة سوهاج، ويبدأ الاحتفال من يوم 7 أبيب، وفقًا للتقويم القبطي، ويستمر لمدة شهر، وتظهر فيه كافة مظاهر المولد من مظاهر روحية واقتصادية وترفيهية وعلاجية.
مولد الأنبا شنودة في الدير الأبيض بأخميم - سوهاج
وأيضًا مولد «العذراء» بجبل الطير بسمالوط، ومولد «القديس مارجرجس» (البطل-أمير الشهداء) بدير القديس مار جرجس بجبل الرزيقات غربي محافظة الأقصر في بداية شهر نوفمبر ولمدة أسبوعين، وكذلك مولد «القديسة دميانة» الذي يتم بدير القديسة ببراري بلقاس بالدقهلية في شهر مايو من كل عام.
مولد العذراء بجبل الطير بسمالوط ـ المنيا
وبالمثل شارك كذلك المسيحيون إخوانهم المسلمين في مناسباتهم الدينية في شهر رمضان وعيد الفطر والمولد النبوي الشريف، ويسجل لنا الرحالة ماكفرسون حضوره للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ويتحدث كذلك عن مشاركة العديد من المسيحيين في شراء حلاوة المولد، وحضور الزفة التي كانت تجوب الشوارع احتفالًا بهذه المناسبة، ويسجل كذلك حضورهم عدد من الموالد الإسلامية المحلية.
مولد القديس مارجرجس بالرزيقات ـ الأقصر
ولقد حضرت بصفتي باحثة مسلمة بعض هذه الأعياد والمناسبات الدينية المسيحية، مثل عيد الميلاد، وظهور العذراء والاستعدادات لمولد الأنبا شنودة، وكذلك عيد القديس مارجرجس، ورئيس الملائكة ميخائيل بمنطقة التلين بكفر الدير-منيا القمح- محافظة الشرقية، وقد رأيت حضورًا إسلاميًّا مُلفتًا للانتباه، فلم أكن أنا الوحيدة الموجودة بصفة علمية، للانتهاء من بعض البحوث التي نشرتها بعد ذلك، بل وجدت الكثير من المسلمين القاطنين بالقرب من هذه الكنيسة، وكذلك القادمين من محافظات أخري لحضور أيام المولد من أجل الترفيه والتبرك والشفاء، كذلك لاحظت اهتمام الجهات الأمنية بهذه المناسبات من خلال التكثيف الأمني في أيام الأعياد والاحتفالات وحضور ممثلين من رجال الدولة المسلمين لمشاركة إخوانهم المسيحيين في هذه المناسبات التي تمثل لهم أهمية كبري.
دير القديسة دميانة ـ بلقاس الدقهلية
على أية حال فإن المشاركة في المناسبات والاحتفالات والأعياد هي مجرد شاهد عيان ونموذج للمشاركة بوجه عام بين المسلمين والمسيحيين في كافة الأمور الحياتية وليست مظاهر دعائية، وهذا أمر له جذوره وتؤكده المصادر التاريخية ومن أمثلته: المشاركة الوطنية في الحروب والثورات وكافة الأخطار المحدقة بمصر، والمشاركات السياسية، والمشاركات العلمية والاجتماعية والاقتصادية؛ الأمر الذي يؤكد الأخوة والمحبة بين شركاء الوطن من مسلمين ومسيحيين.



