في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية، وأحدثها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوصل مجلس السلام إلى اتفاق بشأن "نزع السلاح الكامل" لحماس والفصائل المسلحة الأخرى في غزة، تواصل مصر أداء دورها المحوري باعتبارها الطرف الإقليمي الأكثر تأثيرًا في إدارة ملف غزة، سواء عبر جهود وقف إطلاق النار، أو تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، أو رعاية المفاوضات بين مختلف الأطراف، وخلال الأشهر الأخيرة، برزت "القاهرة" باعتبارها مركزًا رئيسيًا للمفاوضات، حيث استضافت العديد من جولات التفاوض والاتصالات المكثفة مع الأطراف الإقليمية والدولية، في إطار رؤية مصرية تقوم على إنهاء الحرب، ومنع تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وتهيئة الظروف لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
تحركات مبكرة لاحتواء الحرب
مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب، أجرى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي سلسلة من الاتصالات مع قادة الدول العربية والغربية، مؤكدًا ضرورة وقف التصعيد، وحماية المدنيين، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
كما استضافت القاهرة في أكتوبر 2023 قمة القاهرة للسلام، بمشاركة قادة ورؤساء حكومات وممثلي منظمات دولية، لتكون أول تجمع دولي واسع يبحث سبل احتواء الحرب، ويؤكد رفض استهداف المدنيين، ويدعو إلى استئناف عملية السلام على أساس حل الدولتين.
وفي الوقت نفسه، كثفت أجهزة الدولة المصرية اتصالاتها مع الولايات المتحدة وقطر والأمم المتحدة والأطراف المعنية، لتدشين مسار تفاوضي يهدف إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين، وهو المسار الذي استمر عبر عشرات الجولات التفاوضية التي احتضنتها القاهرة.
المساعدات المصرية للفلسطينيين في قطاع غزة
القاهرة.. مركز المفاوضات
خلال الأشهر التالية، تحولت القاهرة إلى غرفة عمليات دبلوماسية لإدارة الأزمة، حيث استضافت وفودًا من الولايات المتحدة وإسرائيل وحركة حماس وقطر، وعقدت جولات متتالية من المفاوضات غير المباشرة.
وأسهمت هذه التحركات في التوصل إلى الهدنة الإنسانية الأولى أواخر عام 2023، التي شهدت تبادلًا للمحتجزين والأسرى، وإدخال كميات كبيرة من المساعدات إلى قطاع غزة، قبل أن تستأنف القاهرة جهودها للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار.
كما واصلت مصر تنسيقها اليومي مع الوسطاء والشركاء الدوليين، مع التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يضمن إنهاء الحرب بصورة مستدامة، وتوفير الحماية للمدنيين، ومنع تجدد الصراع.
موقف ثابت ضد التهجير
منذ بداية الأزمة، تبنت مصر موقفًا واضحًا برفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، معتبرة أن ذلك يمثل تصفية للقضية الفلسطينية، ويمس الأمن القومي المصري.
وأكدت "القاهرة" في جميع اتصالاتها الدولية أن الحل الحقيقي لا يكمن في نقل السكان أو فرض حلول مؤقتة، وإنما في إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وأصبح هذا الموقف المصري أحد الثوابت التي حظيت بتأييد عربي واسع، كما أخذت به العديد من المواقف الدولية خلال المناقشات الخاصة بمستقبل قطاع غزة.
المساعدات المصرية للفلسطينيين في قطاع غزة
جهود إنسانية غير مسبوقة
بالتوازي مع التحركات السياسية، قادت مصر أكبر عملية دعم إنساني لقطاع غزة منذ اندلاع الحرب، حيث خصصت معبر رفح لاستقبال المساعدات الإنسانية والإغاثية، واستقبلت المستشفيات المصرية مئات المصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج، كما دفعت الدولة المصرية بقوافل متواصلة من المواد الغذائية والطبية والوقود والمستلزمات الإغاثية.
وقام الهلال الأحمر المصري بدور محوري في تنسيق دخول المساعدات الدولية إلى القطاع، فيما أقامت مصر مناطق لوجستية ومستشفيات ميدانية بالقرب من الحدود لتقديم الدعم الطبي والإنساني.
استقبال مصر لمصابي قطاع غزة
إعادة الإعمار وترتيبات "اليوم التالي"
ومع انتقال المفاوضات إلى مرحلة البحث في مستقبل القطاع بعد الحرب، برزت مصر باعتبارها الطرف الأكثر حضورًا في صياغة ترتيبات "اليوم التالي".
وتقوم الرؤية المصرية على عدة مرتكزات، تشمل الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة قطاع غزة، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وإطلاق برنامج شامل لإعادة الإعمار دون تهجير السكان.
كما دعمت "القاهرة" الخطة العربية لإعادة إعمار قطاع غزة، والتي تبنتها القمة العربية الطارئة، باعتبارها إطارًا عمليًا لإعادة بناء القطاع والحفاظ على حقوق الفلسطينيين.
ملف سلاح حماس
ومع تطور المفاوضات، برز ملف سلاح حركة حماس كأحد أبرز القضايا المطروحة ضمن ترتيبات "اليوم التالي".
وتؤكد الرؤية المصرية أن أي ترتيبات أمنية يجب أن تأتي في إطار حل سياسي شامل يحافظ على وحدة النظام الفلسطيني، ويمنع عودة المواجهات المسلحة، مع التأكيد على أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم عبر توافق فلسطيني، ودعم عربي ودولي، وليس من خلال إجراءات أحادية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد.
وتسعى"القاهرة" إلى التوفيق بين المتطلبات الأمنية وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما يحقق الاستقرار طويل الأمد في قطاع غزة.
إشادة أمريكية بالدور المصري
حظيت التحركات المصرية بتقدير واضح من الولايات المتحدة، حيث أشاد الرئيس الأمريكي وكبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، بالدور الذي تقوم به "القاهرة" في تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وقيادة جهود الوساطة، وتأمين دخول المساعدات الإنسانية، والعمل على إطلاق سراح المحتجزين.
وأكد مسؤولون أمريكيون في أكثر من مناسبة أن التعاون مع مصر يمثل ركيزة أساسية لإنجاح جهود وقف إطلاق النار، وأن "القاهرة" شريك لا غنى عنه في معالجة الأزمة، لما تمتلكه من خبرة طويلة وعلاقات مباشرة مع مختلف الأطراف.
كما أعرب البيت الأبيض مرارًا عن تقديره للدور المصري في منع اتساع دائرة الصراع، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، ودعم الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية مستدامة.
إشادات أوروبية وعربية
وقد أشادت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالتحركات المصرية، معتبرة أن "القاهرة" تمثل حجر الزاوية في أي مسار سياسي يتعلق بقطاع غزة.
كما أشادت دول عربية، من بينها السعودية والإمارات والأردن وقطر، بالتنسيق المصري المستمر، ودوره في تقريب وجهات النظر، والدفاع عن الثوابت العربية، ورفض تهجير الفلسطينيين، ودعم إعادة إعمار القطاع.
رؤية مصر للمستقبل
تؤكد التحركات المصرية أن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق من خلال الحلول العسكرية، وإنما عبر تسوية سياسية عادلة وشاملة تنهي الاحتلال، وتعيد إطلاق عملية السلام، وتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، مع الحفاظ على وحدة قطاع غزة والضفة الغربية.

