المستشار الاعلامى

حسن عمار

رئيس التحرير

جمال حسين

عن «دوائر الثقة» وثقافة الحدود: كيف نحمي أماننا الاجتماعي دون أن نخسر علاقاتنا؟

مقالات 2026-08-13 18:23 التعليقات

عن «دوائر الثقة» وثقافة الحدود: كيف نحمي أماننا الاجتماعي دون أن نخسر علاقاتنا؟

عن «دوائر الثقة» وثقافة الحدود: كيف نحمي أماننا الاجتماعي دون أن نخسر علاقاتنا؟
كتب بقلم: د. أحمد يحيى مجلى 
تضعنا الحوادث العنيفة التي تقع أحيانًا داخل الدوائر المقربة أمام اختبار إنساني ونفسي شديد القسوة. فالألم لا يأتي فقط من بشاعة الواقعة، وإنما من أن الخطر قد يأتي أحيانًا من المساحة التي اعتدنا أن نراها ملاذًا للأمان؛ من شخص نعرفه، أو صديق وثقنا به، أو قريب لم يخطر ببالنا يومًا أن يتحول إلى مصدر تهديد.
والواقعة الأخيرة التي شغلت الرأي العام وأعادت إلى الواجهة أسئلة صعبة حول الأمان داخل دوائر الثقة، تستحق أن نتوقف عند أبعادها الاجتماعية بعيدًا عن تفاصيلها الجنائية التي تتولاها جهات التحقيق والقضاء. فالمهم هنا ليس أن نحول حادثة مؤلمة إلى حكم على المجتمع كله، وإنما أن نسأل أنفسنا: كيف نحافظ على الثقة التي تقوم عليها علاقاتنا الإنسانية، من دون أن تتحول هذه الثقة إلى غفلة عن إشارات الخطر؟
الإنسان بطبيعته يبحث عن السكينة، وكلما اقترب شخص من دوائرنا الخاصة، تراجعت معه درجة الحذر بصورة تلقائية. نفتح بيوتنا للأقارب، ونشارك أصدقاءنا تفاصيل حياتنا، وقد يتحول الصديق مع مرور السنوات إلى واحد من أفراد الأسرة، ويصبح الجار جزءًا من الحياة اليومية، وتتداخل العلاقات الاجتماعية في المجتمع المصري بصورة تجعل المسافة بين «المعارف» و«الأهل» في كثير من الأحيان شديدة القرب.
وهذه واحدة من أجمل خصائص المجتمع المصري؛ مجتمع يقوم على القرب والمساندة وصلة الرحم والجيرة والجدعنة. لكن لكل ميزة وجه آخر يحتاج إلى وعي. فالقرب الاجتماعي لا يعني بالضرورة أننا نعرف كل ما يدور في داخل الإنسان، والثقة لا ينبغي أن تعني إلغاء الحذر الطبيعي.
فهل نعرف بالفعل الأشخاص الأقرب إلينا، أم أننا أحيانًا نتعامل مع الصورة التي صنعناها عنهم عبر سنوات طويلة؟
هذا سؤال مؤلم، لكنه ضروري.
قد نعرف شخصًا منذ سنوات، ونعرف عاداته وطباعه وذكرياته، لكننا لا نعرف بالضرورة كيف يتعامل مع الغضب، أو الخلاف، أو الخسارة، أو الضغوط الشديدة. وقد نعتاد سلوكًا انفعاليًا من شخص قريب ونعتبره مجرد «طبع» أو «عصبية»، بينما يمكن أن تكون بعض التصرفات المتكررة إشارات تستحق الانتباه، خصوصًا عندما تتطور إلى تهديد أو عنف أو رغبة في الانتقام.
وهنا لا نتحدث عن تحويل المجتمع إلى مساحة من الشك، ولا عن دعوة الإنسان إلى مراقبة أقاربه وأصدقائه، وإنما عن شيء أكثر توازنًا: أن نثق، لكن بوعي.
فالثقة الحقيقية ليست أن نغلق أعيننا عن كل ما يثير القلق، كما أن الحذر ليس أن نعيش أسرى للشك.
الحدود ليست جفاء
من الأفكار التي تحتاج إلى إعادة النظر داخل علاقاتنا الاجتماعية مفهوم «الحدود الشخصية».
في أحيان كثيرة، يُنظر إلى وضع الحدود داخل الأسرة أو الصداقة باعتباره نوعًا من الجفاء، وكأن القرب الحقيقي يعني أن يعرف الآخر كل شيء عن حياتنا، أو أن يكون له حق دائم في التدخل في قراراتنا ومساحتنا الخاصة.
لكن العلاقات الصحية لا تقوم على إلغاء الحدود، وإنما على احترامها.
أن أثق في صديقي لا يعني أن ألغي خصوصيتي. وأن أحب قريبي لا يعني أن أقبل منه كل سلوك. وأن أتمسك بعلاقة قديمة لا يعني أن أتجاهل تهديدًا واضحًا أو عنفًا متكررًا بحجة أن «هذا الشخص نعرفه منذ سنوات».
الأخطر من الخلاف نفسه هو أن نعتاد العنف حتى يصبح عاديًا في نظرنا.
فكثير من العلاقات قد تمر بخلافات وغضب وانفعال، وهذا جزء من الطبيعة البشرية، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين خلاف يمكن احتواؤه وبين سلوك يتحول إلى تهديد أو إذلال أو اعتداء أو ملاحقة أو رغبة معلنة في الانتقام.
وهنا يأتي دور الأسرة والمحيط الاجتماعي.
فليس كل تدخل في حياة الآخرين تدخلاً مرفوضًا. هناك لحظات يصبح فيها الانتباه إلى ما يحدث حولنا مسؤولية أخلاقية. وعندما يصل الخلاف إلى تهديد صريح أو عنف أو خوف حقيقي، فإن عبارة «دي مشاكلهم» لا تعود كافية.
التدخل المسؤول لا يعني اقتحام خصوصيات الناس، وإنما يعني أن نعرف متى يصبح الصمت تقصيرًا، ومتى تصبح المساعدة وطلب الدعم من الجهات المختصة ضرورة لحماية إنسان قد يكون في خطر.
لا نحول الحوادث الفردية إلى صورة عن المجتمع
وفي المقابل، هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتقنا جميعًا، وتتعلق بالطريقة التي نتلقى بها أخبار الجرائم وننقلها.
لقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي الخبر يصل إلى ملايين الأشخاص في دقائق، لكن السرعة نفسها صنعت مشكلة أخرى؛ فالحادثة التي كانت في الماضي تصل إلى الناس في نطاق محدود، أصبحت اليوم حاضرة أمام الجميع، تتكرر صورها وعناوينها ومقاطعها وتعليقاتها عشرات المرات.
ومع كثرة التكرار، قد يتولد لدى الإنسان شعور بأن ما يراه على شاشته يحدث في كل مكان، وأن الجريمة أصبحت هي القاعدة، وأن الثقة في الآخرين لم تعد ممكنة.
وهنا يجب أن نفرق بين كثرة ما نراه وبين حقيقة ما يحدث في المجتمع.
ليس كل ما يحتل مساحة كبيرة على مواقع التواصل يعكس بالضرورة حجمه الحقيقي في الواقع.
ولهذا فإن التغطية الإعلامية الرشيدة لا تعني تجاهل الجرائم أو التقليل من خطورتها، وإنما تعني تقديمها في سياقها الصحيح، واحترام خصوصية الضحايا وذويهم، والابتعاد عن الإثارة، وعدم تحويل المأساة الإنسانية إلى مادة للاستهلاك والمشاهدة فقط.
فالخبر المهني لا يكتفي بإثارة الخوف، وإنما يساعد الناس على الفهم.
الأمان يبدأ من الوعي
الأمان الاجتماعي لا تصنعه المؤسسات الأمنية والقانونية وحدها، رغم أن دورها أساسي ومحوري، وإنما يشارك المجتمع كله في بنائه.
الأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والإعلام له دور، والمؤسسات الدينية والثقافية لها دور، وحتى دوائر الأصدقاء والجيران لها دور في خلق بيئة تستطيع أن تلاحظ التغيرات الخطرة قبل أن تصل الأمور إلى نقطة يصعب عندها التدخل.
نحتاج إلى ثقافة اجتماعية لا تخجل من طلب المساعدة، ولا تعتبر الحديث عن الضغوط النفسية أو الغضب أو الأزمات الأسرية ضعفًا، ولا تتعامل مع التهديدات باعتبارها مجرد لحظة غضب عابرة في كل الأحوال.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نقع في الخطأ المقابل؛ فلا يجوز أن نضع كل شخص عصبي في خانة الخطر، ولا أن نحول الخلافات الطبيعية إلى اتهامات، ولا أن نزرع الشك بين الناس بناءً على حادثة أو مجموعة من الحوادث.
الوعي لا يعني الخوف، والحذر لا يعني القطيعة.
وهذه ربما هي النقطة التي نحتاج إلى ترسيخها أكثر من غيرها.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يخاف فيه الصديق من صديقه، ولا الأسرة من أفرادها، ولا الجار من جاره. المجتمع الصحي هو الذي يستطيع أن يحافظ على دفء العلاقات الإنسانية، وفي الوقت نفسه يحترم خصوصية أفراده وحدودهم، ويعرف كيف يتعامل مع إشارات الخطر عندما تظهر.
إن الثقة قيمة اجتماعية لا غنى عنها، لكنها تكون أكثر قوة عندما تستند إلى الوعي، لا إلى التغافل.
والمحبة لا تتعارض مع الحكمة، والقرابة لا تلغي حق الإنسان في الأمان، والصداقة لا تعني أن نغلق أعيننا أمام سلوك يثير القلق.
ربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من مثل هذه الوقائع، بعيدًا عن تفاصيل كل واقعة ومسار التحقيق فيها، هو أن نحافظ على إنسانيتنا من دون أن نتخلى عن وعيِنا.
نحتاج أن نطمئن إلى بعضنا أكثر، لا أن نخاف من بعضنا أكثر؛ لكن الطمأنينة الحقيقية تبدأ من وعي لا يغيب.

أخبار شبيهة

أضف تعليق