في عالمٍ مثالي، يُكافأ الإخلاص ويُحتفى بالاجتهاد، لكن الواقع في كثير من بيئات العمل العربية يكشف صورة مغايرة؛ حيث يجد الموظف المخلص نفسه محاصرًا داخل مناخ سامة، لا يُقاس فيه النجاح بالكفاءة، بل بالولاءات، ولا يُقدَّر فيه العمل الجاد بقدر ما يُنظر إليه كإزعاجٍ غير مرغوب فيه.
الموظف المخلص لا يطلب امتيازات، كل ما يريده مساحة عادلة للعمل، لكنه في بيئة مختلّة يصبح هدفًا غير مباشر؛ لأن التزامه يفضح التقصير، وإخلاصه يكشف الفوضى، فيبدأ التضييق الصامت، من تهميشٍ مقصود، أو تحميل أعباء إضافية، أو تغييبٍ متعمّد لأي تقدير.
بيئة تُكافئ الصمت وتعاقب الرأي
البيئة السامة لا تُدار بالقوانين بل بالأهواء، ولا تُبنى على الشفافية بل على المجاملات. فيها يُكافأ الصمت، ويُنظر إلى الرأي باعتباره تهديدًا، وتُستبدل لغة الحوار بلغة الوشاية، فتتحول أماكن العمل من ساحات إنتاج إلى مساحات استنزاف نفسي ومعنوي.
كيف يحمي الموظف المخلص نفسه؟
أولًا: المهنية الهادئة لا المواجهة الخاسرة
التمسك بالاحترافية هو خط الدفاع الأول. أداء الواجب دون صدام، والالتزام بالحدود الوظيفية، يمنح الموظف قوة هادئة تحميه من الاستهداف المباشر.
ثانيًا: توثيق الجهد حق لا رفاهية
في بيئات تتلاشى فيها العدالة، يصبح توثيق الإنجازات ضرورة لحماية الحقوق، وليس بدافع الشك، بل كإجراء احترازي مشروع.
ثالثًا: الحذر في العلاقات المهنية
ليس كل قرب أمانًا، ولا كل ودٍّ صادقًا. الحكمة تقتضي اختيار الكلمات بعناية، وترك مسافة آمنة تحفظ للموظف كرامته وخصوصيته.
رابعًا: الاستثمار في الذات
حين يضيق المكان، تتسع الخبرة. تطوير المهارات وبناء القدرات يفتحان أبوابًا خارج حدود المؤسسة، ويمنحان الموظف المخلص قيمة تتجاوز محيطه الضيق.
خامسًا: متى يكون الرحيل قرارًا شجاعًا؟
الصبر لا يعني الاستنزاف، والاستمرار لا يعني التضحية بالكرامة. حين تتحول بيئة العمل إلى عبء دائم، يصبح الرحيل فعل وعي، لا هروبًا، وبحثًا عن مساحة تُقدّر الإنسان قبل الإنجاز.
خلاصة القول
الإخلاص قيمة لا يجب أن تُدفع ثمنًا باهظًا. والموظف المخلص، مهما طال بقاؤه في بيئة سامة، يظل صاحب ضمير حيّ، والنجاة الحقيقية أن يحافظ على هذا الضمير دون أن يسمح للواقع المشوّه أن يُطفئه أو يجرّه إلى التشبه به
