الأحد الأسود «مذبحة ماسبيرو»
الأحد الأسود «مذبحة ماسبيرو»

بقلم | أحمد راغب

"الأمم التي تـريدُ بناءَ حضارة.. عليها الإعتراف بجميع خطايها، والتطهر منها".

أصعب ما يعتذر عنه الإنسان، هو أصعب ما بدر منه ولم يرضى عنه، وإن استعصاء الوصف أو اللغة على الكاتب، لا يأتي إلا في حالتين، إما عن عظمة المشهد، أو بشاعة المنظر والحدث.

تعال معي نَدخُلُ الغرفة التي بها التلفاز، وامسك بجهاز التحكم عن بعد «الريموت»، ثم انتقل بنا إلى القناة الأولى المصرية- التي ربما لم تكن كذلك - وأنصت لتلك المذيعة التي تتلو النبأ تلو النبأ عن ما يحدث هناك أمام حضرة النيل العظيم.

والآن انظر لإصبعي السبابة حيث يُشِر لك - وأنا بجوارك- على القناة الأولى؛ حيث شريط الأنباء العاجلة الإخباري أسفل القناة قد كُتِبَ فيه:
« شهيد و ٢٠ مصابًا من جنود الجيش بعد أن أطلق المتظاهرون الأقباط النار عليهم أمام ماسبيرو».

قرأت جيدًا ما قد كُتِب؟، هل لاحظت جيدًا كلمة "الأقباط"، هل فقهت ما وراء الكلمة؟، ولماذا وصِفَ مصريين يطالبون بحقوقهم في مظاهرة بـ "الأقباط" وأنهم يعتدون أيضًا!!؟، لم يكن لهم أن يصفوهم بوصفهم الحقيقي وهو كونهم «مصريون»، لماذا إذن وُصِفُوا بالأقباط؟، هل كان هذا من أجل أن تتحول القضية لنزاعٍ طائفي دموي؟!، بأن يتم تصدير القضية للشعب مثلًا أن هناك "أقباطًا" يقتلون "مسلمين"؟

نعم.. إنها قناة الدولة التي - من المفترض- أن تُعبِّر عن الدولة التي من خلال تلك القناة تُخاطب -أساسًا- عموم الشَّعب كله.
وصفوهم بـ«الأقباط»!، أليس هذا وصف ديني محض؟!، إذن أين تلك الشعارات التي صدرتها لنا أنظمة الدولة والحكومات منذ زمن الغابرين عن المواطنة، وعن كون أننا "أبناء شعبٍ واحد"، ويحيا الهلال مع الصليب!!؟. ذهبت كلها مع الريح يا عزيزي.. إنها رياحُ سموم الحزينة هبَّت على الوطن كله وقتئذٍ.
هبَّت رياحُ «الأحد الأسود».

بصوتٍ متوجسٍ عَلَت نبرتُهُ، وعينيها مثبطتين صوب جهاز الإملاء.. قالت:

« حتى الآن أكثر من ٣ شهداء و ٢٠ مصابًا وكلهم من جنود الجيش، وبأيدي مَنْ؟، ليس بأيدي الإسرائيليين ولكن بأيدي فئةٍ من أبناء الوطن ».

هكذا بدأت «رشا مجدي» المذيعة بالتلفزيون المصري نشرةَ التاسعة، يوم الأحد 11 من أكتوبر/ تشرين الأول 2011 والذي عُرِفَ فيما بعد بـ «الأحد الأسود».

إنه اليوم الذي راح فيه ما يقرب عن ٢٦ قتيلًا وأكثر من ٣٠٠ مصابًا من «المصريين» لا الأقباط. كانت هذه المجزرة البشعة أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون «ماسبيرو».

ولماذا؟، فقط لأنهم قالوا "لا"، فقط من أجل أن رفضوا هدم كنيسة «الماريناب»، والمطالبة بمحاسبة المسئولين.

شاهد معي ذلك الجسد الذي دُهِسَ تحت العجلات تلك، وهذا الذي تَفَتَّقَ جسده من رصاصا الغدر، وتلك الفتاةُ التي ترى في عينيها شمخةَ مصر، مرمية على الرصيفِ في نزيف جراحها جراء ما فعله «المواطنون الشرفاء» بها، وبالطبع أنهم لم يعرفوا عن الشرف معنًا ولا حرفًا.

الأحداث لم تبدأ يوم «الأحد الأسود» 2011م، وهناك العديد من الحكايات والروايات بشأن أحداث ذلك اليوم.

من إعتصامٍ في 4 أكتوبر/ تشرين الأول؛ بسبب الإعتداءات التي قد حدثت في الثلاثين من سبتمبر ٢٠١١م على كنيسة «مارجرجس» حتى احترقت بنيران البلطجية، ضف معها الإعتداءات التي تمت على عدد من منازل بقرية «الماريناب» في مدينة «إدفو» بأسوان. كان ذلك بداية تشرين الأول الحزين؛ فعقب أحداث الماريناب، دعى الكثيرون إلى وقفة إحتجاجية أمام «دار القضاء العالي» مطالبين بتأمين القرية وبالأخص بيوت «المسيحيون»، أيضًا طالبوا بالقبض على المجرمين.

روى "مينا ثابت" الباحث الحقوقي، عن مسيرة الأول من أكتوبر ٢٠١١م، اتفقت على إمهال الحكومة 48 ساعة إلى تنفيذ المطالب، وتوقفت بالفعل المسيرات مدة الـ 48 ساعة، ثم عادت يوم 4 من نفس الشهر 2011، التي ظهر بها إقتراحان، الأول هو إمهال الحكومة نفس المدة مرةً ثانية، والآخر كان التوجه إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون والاعتصام هناك.

إذا لم تسهو معي في غمرة الأحداث سوف أتمشى بك إلى ذلك اليوم؛ كي ترى تلك الأعداد القليلة التي ذهبت وقتذاك إلى ماسبيرو للاعتصام، وما إن وصلوا، حتى فوجئوا بقوات الشرطة العسكرية قامت بفض الاعتصام بالقوة، وطاردت المتظاهرين إلى ميدان التحرير.

وفي التاسع من شهر أكتوبر ٢٠١١م، تحركت مسيرة من «دوران شبرا» في الساعة الرابعة من عصر ذاك اليوم. كان أغلب المسيرةِ من النساء والأطفال وكبار السن- كما تقول بعض الروايات- كرواية الناشط "بيشوي تمري" عضو إتحاد ماسبيرو.
كانت مسيرةً ضخمة. وصلت الساعة السادسة مساءً إلى مبنى ماسبيرو، حيث أعداد من المرتديين زِيّ «الشرطة العسكرية ». كان عدد الجنود ضخمًا . البعض يروي أيضًا عن إغلاق الطريق المؤدي من وإلى «ماسبيرو».

وبدأت لحظة الدموية .. كان كل شيء شديد السرعة ومتتابعًا.. مباغتًا .. ومُروِّعًا أيضًا.
الليلُ وأشعة النور المصفرّة ودوي الرصاص كسوا ذلك المشهد الذي من الصعبِ نسيانه.

بعض الروايات تقول أن السلفيين وما يسمون بـ «المواطنين الشرفاء» اعتدوا أيضًا على المتظاهرين.

انبجست برك الدماء أمام «ماسبيرو»، والحزنُ والأسى والفزع خيَّمَ على المشاهد، وكأن سُحُب القاهرة تتحالف لتتشح بها السماء بالسواد حزنًا على ما يحدث.
أشعر بشراشف النور المُحْمَر المنعكس على الدماء التي تلطخ بها الرصيف أمام حضرة «النيل» وأمام مبنى «ماسبيرو».

لم يكن التلفزيون في ذلك الوقت يمارس العهر الإعلامي وحده، بل إن التقارير الطبية الصادرة من المستشفيات كانت تفيد بأن حالات الوفاة كانت ناجمة عن اشتباكات، ولم تذكر أي أسباب عن الوفاة الواضحة!

طبعًا، تشكَّكَ الأهالي في التقارير، ورغبوا بتشريح جثث ذويهم، وبالطبع تم الضغط عليهم، من السلفيين، ومن "الأنبا يؤانس"، وهذا ما قالته بعض الروايات.

ما زلنا نتألم.. أثر هذه المجزرة حتى اليوم ينخر في روح كل من عاشها وعاش الحدث.. حتى وإن اختلف الأمر الآن مئة درجة عما كنا عليه سابقًا، من ما كنا نعيشه في كثيرٍ من الفوضى، سواء فوضى بعض أفراد الشعب، أو فوضوية قرارات الحكومة وقتها.

لابُد من محاسبة الإعلام المصري على خطاياه الكثيرة التي وصلت إلى الجرائم، خطاياه في ثورة ٢٥ يناير، وخطاياه التحريضية ضد أبناء الشعب المصري، الأمر الذي يعكس مدى شر هذه الأبواق إذا تولى أمرها جاهلٌ أو فاسد.

لقد خرج المصريون من مسيحي الشعب ومسلميه في ثورة ١٩١٩م جنبًا إلى جنب، يهتفون باسم الوطن، وباسم القائد، وباسم الحرية، صارخين "يحيا الهلال مع الصليب"، ثُورنا سويًا في يناير، وحمينا الديار سويًا، وحاربنا في العاشر من رمضان ١٩٧٣م، ولم تكن هناك أبواق تفرق بين الأيادي التي تحمل السلاح ضد العدو دفاعًا عن شرف العرب.

حتى الغرب آنذاك قالوا "انتصر المصريين"، لم يقل المسلمون أو المسيحيون.. الغرب لم يُعنصِرنا .. فلماذا نحنُ مَنْ نُعَنصِّر أنفسنا..

لقد أخطأنا جميعًا في حق هذا البلد، ولكَم قسَت هي علينا كثيرًا، ولابُدّ أن نُكفِّر جميعًا عما بدر منا، من خطايا ومساوئ تجاه بلدنا، لكي لا نقابل الأجيال القادمة بوصمةِ عارٍ أكبر من وصماتٍ قابلونا الأجداد بها ذات يوم، إنها وصمة عار عدم تصحيح المسار، يجب أن نعترف بذنوبنا كي يغفر لنا الله. و "تغفر لنا مصر".

فالمجد لكل من طالبوا بحق، وارتقوا لسماء الله في سبيل مطلبهم، والمجد لمن حفظ الوطن وصان الأمانة، وصان العِرض والوعد، والمجد لكل شهداء الوطن.

والآن يا عزيز أطفأ التلفاز، وأطفأ الأنوار.. فقط اشعل معي الكثير من الشموع من أجل السلام، من أجل الإنسان. ولا تنسى أن تُشعلَ شمعةَ الحُرية!.

كتب


التعليقات

أخبار شبيهة

بحث

مساحة اعلانية

آخر الصور

مساحة اعلانية